أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
491
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأنشد ابن الشجري : 887 - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا * سواها ولا في حبّها متراخيا « 1 » والكلام في هذه الأبيات له موضع غير هذا . وأمّا من نصب الثلاثة منونة فتخريجها على أن تكون منصوبة على المصدر بأفعال مقدرة من بلفظها ، تقديره : فلا يرفث رفثا ولا يفسق فسوقا ولا يجادل جدالا ، وحينئذ فلا عمل للا فيما بعدها ، وإنما هي نافية للجمل المقدرة ، و « في الحجّ » متعلّق بأيّ المصادر الثلاثة شئت ، على أن المسألة من التنازع ، ويكون هذا دليلا على تنازع أكثر من عاملين ، وقد يمكن أن يقال : إن هذه « لا » هي التي للتبرئة على مذهب من يرى أنّ اسمها معرب منصوب ، وإنما حذف تنوينه تخفيفا ، فروجع الأصل في هذه القراءة الشاذة كما روجع في قوله : 888 - ألا رجلا جزاه اللّه خيرا * . . . « 2 » وقد تقدّم تحرير هذا المذهب . وأمّا قراءة الفتح في الثلاثة فهي « لا » التي للتبرئة . وهل فتحة الاسم فتحة إعراب أم بناء ؟ قولان ، الثاني للجمهور . وإذا بني معها فهل المجموع منها ومن اسمها في موضع رفع بالابتداء ، وإن كانت عاملة في الاسم النصب على الموضع ولا خبر لها ؟ أوليس المجموع في موضع مبتدأ ، بل « لا » عاملة في الاسم النصب على الموضع وما بعدها خبر ل « لا » ، لأنها أجريت مجرى « أنّ » في نصب الاسم ورفع الخبر ؟ قولان ، الأول قول سيبويه ، والثاني قول الأخفش . وعلى هذين المذهبين يترتّب الخلاف في قوله : « في الحج » فعلى مذهب سيبويه يكون في موضع خبر المبتدأ ، وعلى رأي الأخفش يكون في موضع خبر « لا » ، وقد تقدّم ذلك أول الكتاب ، وإنما أعيد بعضه تنبيها عليه . وأمّا من رفع الأوّلين وفتح الثالث : فالرفع على ما تقدّم ، وكذلك الفتح ، إلا أنه ينبغي أن يتنبّه لشيء : وهو أنّا إذا قلنا بمذهب سيبويه من كون « لا » وما بني معها في موضع المبتدأ يكون « في الحج » خبرا عن الجميع ، إذ ليس فيه إلا عطف مبتدإ على مبتدأ . وأمّا على مذهب الأخفش فلا يجوز أن يكون « في الحج » إلا خبرا للمبتدأين أو خبرا ل « لا » . ولا يجوز أن يكون خبرا للكلّ لاختلاف الطالب ، لأنّ المبتدأ يطلبه خبرا له ولا يطلبه خبرا لها . وإنما قرئ كذلك « 3 » ، قال الزمخشري : « لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهي ، كأنه قيل : فلا يكوننّ رفث ولا فسوق ، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال ، كأنه قيل : ولا شكّ ولا خلاف في الحج » واستدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله عليه السّلام : « من حجّ فلم يرفث ولم يفسق » « 4 » وأنه لم يذكر الجدال . وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحب هذه القراءة ، إلا أنه أفصح عن مراده ، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها - : الرفع بمعنى فلا يكون رفث ولا فسوق ؛ أي شيء يخرج من الحجّ ، ثم ابتدأ النفيّ فقال :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر الكشاف ( 1 / 347 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3 / 382 ) ، كتاب الحج ( 1521 ) ، ومسلم ( 2 / 983 ) ، كتاب الحج ( 438 - 1350 ) .